Print this page

مخابر التنمية – دروس من تجارب الأمم  تجربة كوستاريكا في الاقتصاد الأخضر والتحول الإيكولوجي: نموذج عالمي للتنمية المستدامة

 

تُعد كوستاريكا من أبرز التجارب الدولية التي نجحت

في تحويل الاستدامة البيئية إلى ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. فعلى الرغم من محدودية مساحتها ومواردها الطبيعية، استطاعت هذه الدولة الواقعة في أمريكا الوسطى أن تبني نموذجاً تنموياً يجمع بين النمو الاقتصادي، وحماية البيئة، وتحسين جودة الحياة، لتصبح مرجعاً عالمياً في الاقتصاد الأخضر والتحول الإيكولوجي. ويعكس هذا النموذج قناعة راسخة بأن حماية رأس المال الطبيعي ليست عائقاً أمام التنمية، بل تمثل أحد أهم محركاتها.

بدأ التحول الحقيقي في كوستاريكا خلال ثمانينيات القرن الماضي، عندما واجهت البلاد تراجعاً خطيراً في الغطاء الغابي نتيجة التوسع الزراعي والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية. وأمام هذه التحديات، تبنت الحكومة رؤية استراتيجية طويلة المدى تقوم على دمج الاعتبارات البيئية في السياسات الاقتصادية، وإرساء منظومة تشريعية ومؤسساتية تضمن الاستغلال المستدام للموارد الطبيعية. وقد تُوج هذا التوجه بإصدار قانون الغابات سنة 1996، وإنشاء الصندوق الوطني لتمويل الغابات، واعتماد برنامج “الدفع مقابل الخدمات البيئية”، الذي يمنح حوافز مالية لمالكي الأراضي مقابل الحفاظ على الغابات وإعادة تشجيرها، باعتبار أن هذه النظم البيئية تقدم خدمات ذات قيمة اقتصادية، مثل احتجاز الكربون، وحماية الموارد المائية، وصون التنوع البيولوجي.

وقد حققت هذه السياسات نتائج ملموسة، حيث ارتفعت نسبة الغطاء الغابي من أقل من 25% من مساحة البلاد في منتصف الثمانينيات إلى ما يقارب 60% اليوم، وهو ما جعل كوستاريكا واحدة من أنجح التجارب العالمية في استعادة النظم البيئية. كما تغطي المحميات الطبيعية والمتنزهات الوطنية أكثر من ربع مساحة البلاد، وتؤوي ما يقارب 6% من التنوع البيولوجي العالمي، رغم أن مساحة كوستاريكا لا تمثل سوى جزء ضئيل من مساحة اليابسة على كوكب الأرض. ويؤكد هذا الإنجاز أن الاستثمار في رأس المال الطبيعي يمكن أن يحقق في الوقت نفسه أهداف المحافظة على البيئة وتعزيز التنمية الاقتصادية.

وفي مجال الطاقة، اعتمدت كوستاريكا سياسة طموحة للانتقال نحو الطاقات المتجددة، فأصبحت تنتج حوالي 98% من احتياجاتها من الكهرباء من مصادر نظيفة، تشمل الطاقة الكهرومائية، والطاقة الحرارية الأرضية، وطاقة الرياح والطاقة الشمسية. وقد ساهم هذا التحول في تقليص انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وتعزيز الأمن الطاقي، ودعم تنافسية الاقتصاد الوطني. كما وضعت الحكومة خطة وطنية لإزالة الكربون بحلول عام 2050، تركز على إزالة الانبعاثات من قطاعات النقل والصناعة والزراعة، وتشجيع المركبات الكهربائية وتحسين كفاءة استخدام الطاقة.

ويمثل قطاع السياحة الإيكولوجية أحد أبرز عناصر نجاح الاقتصاد الأخضر في كوستاريكا. فقد أدركت الدولة أن ثروتها الحقيقية تكمن في تنوعها البيولوجي وغاباتها الاستوائية وسواحلها الغنية، فعملت على تطوير نموذج سياحي يقوم على حماية البيئة واستدامة الموارد الطبيعية. واستحدثت نظاماً وطنياً لشهادات السياحة المستدامة يقيّم أداء المؤسسات السياحية وفق معايير بيئية واجتماعية واقتصادية، مما شجع الفنادق ومنظمي الرحلات على تبني ممارسات مسؤولة. وأصبحت السياحة البيئية اليوم من أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد، حيث تستقطب ملايين الزوار سنوياً، وتوفر مئات الآلاف من فرص العمل، وتسهم بشكل مهم في الناتج المحلي الإجمالي وعائدات صادرات الخدمات، مع الحفاظ على النظم البيئية التي تقوم عليها.

ويعود نجاح التجربة الكوستاريكية أيضاً إلى جودة الحوكمة واستمرارية السياسات العمومية، حيث حافظت الحكومات المتعاقبة على التوجه الاستراتيجي نفسه، مع تطوير أدوات اقتصادية مبتكرة لتمويل التحول الإيكولوجي، مثل الضرائب البيئية، وآليات تمويل الكربون، والشراكات مع المؤسسات الدولية. كما أولت أهمية كبيرة لإشراك المجتمعات المحلية والقطاع الخاص في تنفيذ السياسات البيئية، بما عزز قبول الإصلاحات وضمان استدامتها.

ورغم ما تواجهه البلاد من تحديات مرتبطة بتغير المناخ، والضغط المتزايد على قطاع النقل، والحاجة إلى تنويع مصادر التمويل الأخضر، فإن التجربة الكوستاريكية تظل من أكثر التجارب نجاحاً على المستوى الدولي. فقد أثبتت أن الاقتصاد الأخضر ليس مجرد سياسة بيئية، بل هو نموذج تنموي متكامل يربط بين حماية الموارد الطبيعية، وتحقيق النمو الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وتعزيز العدالة الاجتماعية. ومن هذا المنطلق، أصبحت كوستاريكا مرجعاً عالمياً للدول التي تسعى إلى بناء اقتصاد منخفض الكربون وقادر على التوفيق بين متطلبات التنمية والمحافظة على البيئة، وهو ما تؤكده تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، والبنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، التي تعتبر التجربة الكوستاريكية من أنجح النماذج في تحقيق أهداف التنمية المستدامة والتحول الإيكولوجي.

بقلم: أنيس الوهابي

المشاركة في هذا المقال